February 9, 2024 Yasser Ahmad 0Comment

يحمل المكان أناسه ويعبر بهم الزمن، وكأنه العلامة الوحيدة الباقية التي تشير إلى الأشياء التي لم تتغير، الأشياء الأخيرة.

تدور الأيام ويتغير حال الشارع عبر العقود المتوالية، وتتبدل الحوانيت عدة مرات، وتتغير البلد والناس وأحوالهم، ولكن مقهى الإسبريسو ظل كما هو لا يأبه بما يدور. يقف العم سليم خلف ماكينة الإسبريسو الكبيرة ذات الثلاث أذرع، ممسكا بسيجارة وهو لا يأبه بالعالم الذي نال كفايته منه عندما تجاوز الخامسة والسابعين.

كم طال وقوفه خلف الماكينة الإيطالية البرتقالية؟ ربما مر عليه من الزمن ما قد جعل كفيه جزء من الماكينة. تكركر الماكينة وتصدر البخار من فم طويل جانبي مع أنفاس دخان سيجارته. لقد عاشر تلك الماكينة حتى قرر أن يشتريها بعد أن بيع كل ما كان له قيمة في المكان. سدد سليم ثمن الماكينة ليس لأنه أراد أن يكون ذو نفوذ في المقهى، بل لأنه خشي أن تباع وتفارقه. يعرف سليم كل أسرارها، ويعرف كيف يفككها ويصلح اعطالها. يحكي أنها وعلى الرغم من كبر حجمها، إلا أنها كانت الأصغر من قرينتها الثلاث التي تم شراؤهم في مطلع الستينات من إيطاليا. تلك الثلاث ماكينات بيعت خردة بعد ذلك عندما تفككت المحلات وبيع كل محل على حدا. رغم قدم الماكينة إلا أن سليم كان أقدم منها في المقهى بخمس سنوات. سليم لم ينضم للمقهى كصبيا مثل الأخرين، بل وقف خلف الماكينة من أول يوم وتعلم المهنة من اليونانيين. يفتخر سليم بذلك، وبأنه أسطى من أول يوم. لقد شهد صناعة الإسبريسو من قبل وصول الماكينة ذات قوة الضغط التسعة بار. شهد العصر التي كانت تعمل فيه الثلاثة أذرع للماكينة بلا توقف، مفرغة من جوفها سيل متدفق من القهوة في قلب فناجين الإسبريسو الكابتشينو. لقد ذهب كل شيء منذ سنوات طويلة، لقد كان هناك أربع ماكينات لخفق الشيكولا جلاسيه مرصوصة على البار، ومحمصة قهوة ضخمة في المدخل، وماكينة طحن القهوة الإنجليزية. لم يتبق من كل هذا سوى تلك الماكينة التي يربض سليم على رأسها مثل صديق قديم شهد معه أيام العز. 

يأتي سليم قبل أن تفتح القاهرة أبوابها، وقبل أن يعرف الصباح عنوان الطرقات. يأتي سليم قبل الوقت، وقبل قدوم العالم، هابطا إلى وسط البلد من حي شبرا في رحلة يومية دامت قرابة الخمسين عاما. يفتح الباب الجرار الحديد بقبضة يده القوية التي لم تلين مع الزمن. في الخامسة صباحا يشرع الأبواب، يعقم الفناجين البيضاء ببخار الماكينة قبل أن يصفها فوقها، يمسح الطاولات والأرضية ويقف بجوار الماكينة ليشرب فنجانه بتمهل. ستة أيام في الأسبوع يتسلم الوردية الصباحية من الخامسة صباحا حتى الظهيرة ما عدا يوم جمعة، يوم راحته الأسبوعية التي يأتي فيه موسى بدلا منه. بعد انتهاء وردية سليم الصباحية، يتسلم الوردية الثانية التي تستمى حتى الحادية عشر مساءا موسى أو بلبل بالتناوب. لذلك سليم لم يحضر أبدا أي من جلساتنا الليلة، ولكنه على الرغم من ذلك كان يستقي الأخبار ويعرف كل ما دار في اليوم التالي من إسماعيل. فريق المقهى مكون من اثنين فقط في الوردية، الأسطى الذي يعمل على الماكينة مع إسماعيل أو عفت، وتنحصر مهمتهم في تقديم الطلبات والمحاسبة.

ذلك الفريق المكون من خمس أشخاصا لم يتغير منذ دهرا. أصغرهم كان عفت الذي لحق بالمكان قبل خمسة وثلاثين عاما. على الرغم من قضاء أغلب عمرهم في المقهى سويا إلا أن الخمسة كانوا أبعد ما يكون عن التناغم والتفاهم. أعتدانا مشاجرتهم اليومية التي هي جزأ لا يتجزأ من طقس المكان كما عرفناه، وإذا مر يوما لم تنشب فيه مشاحناتهم، كنا لا نستسيغه.

كان سليم يعرف جيدا شكل وطعم قدح القهوة الذي أريده، ولكنه كان لا يعطيني ما أريده. لا يكبس القهوة ولا يزيد جرعة الإسبريسو كما يفعل معي موسي وبلبل، بل يعنفني ويصمم على تخفيفها قبل أن يصر على تناولي الباتيه مع القهوة. يقطع الباتيه إلا قطع صغيرة في طبق ويضعه أمامي مصرا على تناولي الإفطار مع القهوة. ينتزع أول سيجارة من أصابعي ويأمرني أن أفطر أولا. يعرف أني لا أتناول الفطار، ولكنه لا يبالي.

عشرين عاما، يقابلني فيها بابتسامة واسعة مثل جد حنون، قبل أن نتبادل السباب بكلمات يونانية علمني إياها. سليم كان أخر من عمل مع العائلة اليونانية التي أسست المكان في العام ١٩٢٨، وسليم كان أخر عظماء القهوة ومحيت بعده أثار العبق الأصلي لجرعة الإسبريسو.    

يخرج سليم ليقف على باب المقهى في الصباح الباكر، ويطل على وسط البلد الذي تحول من حي ثقافي راقي إلى سرادق طويل لمحلات الأشياء الرخيصة. تلاشت أبهة هذا العالم وبهتت بينما لم يتبق في الصورة سوى العمارات الأوروبية القديمة التي أطلت من أعلى بأسى على طرقات لم تعد تليق بها. لم أحضر الزمن الجميل وأنا المولود في أول أعوام الثمانيات، ولكن كل شيء تستطيع أن تراه في الصورة. أن كل ما ينقص الصورة يطل على من كل مكان، يظهر جليا أكثر مما يكمن أمام عيني. المقهى الذي فقد أبهته، يمكن أن تستشعر كيف كان في الخمسينات والستينات.

عجائز المقهى لا تتوقف حكايتهم عن سنوات مضت في المقهى، وذكريات كلها صارت كلمات ولم تعد موجودة في الصورة. يقف سليم على باب المقهى في السادسة صباحا وأنا أمضى نحوه في يوما لم أنم فيه جيدا. هناك وسط كل ما كان يسقط مع الزمن في هذا الشارع، ظلت علامة السينما الكبيرة بأعلى، وعلى مقربة منها باب مقهى الذي يلوح كرمز للأشياء الأخيرة. يطل سليم في الصورة مثل حارس الزمن، يحيني بقبضة يد قوية لا تلين ويجرني للداخل حيث يحيطني برعايته كجد عجوز. يلومني على سفرياتي التي تطول لسنة وسنتين قبل يمسك يلقم الأسطوانة وينزل بالمكبس، فتفوح الرائحة في المكان مثل السحر.

المقهى القديم يتشرف المقهى بتقديم عرض يومي للحكايات منذ أن توقف أنور وجدي عن أنتاج الأفلام. ليست هذه بمزحة، بل بالأحرى قد يكون هذا التاريخ حقيقة معروفة. لقد بدأ سليم وإسماعيل العمل في المقهى سنة ١٩٥٥ وهي نفس السنة التي توفي فيه أنور وجدي، تاركا الساحة لعرض البريمير الأول في مقهى الإسبريسو. كان يحيرني دائما ذلك السؤال، لماذا هؤلاء الخمسة حملهم المقهى عبر الأزمان حتى صاروا هم والمقهى شيئا واحدا؟ لا أحد يعرف أجابه لهذا لسؤال البديهي.

تقول الأسطورة أن من يدخل إلى هذا المكان لن يخرج منه أبدا. أنها تعويذة وقعت تحت تأثيرها الجميع من العاملين إلى الرواد. بيع المكان عدة مرات، وتبدل ملاكه، وتناقص عدد الزبائن، إلا أنه أستمر. لم يعد للمقهى مالك منذ أن بيع أخر مرة. لقد تم بيع المحل الواقع على الشارع الرئيسي قبل سنوات، ولكن أحد أصحاب المتاجر رأف بحال عامليه، فقام بنقلهم إلى مكان يملكه في الممر جانبي، نقلهم بالطاولات والماكينة وتركهم يسددون مصروفاتهم دون المطالبة بإيجار. لقد فقدنا الإطلالة الأصلية للمحل السابق على الشارع الرئيسي والبار الكبير، ولكننا فرحنا باستمرار المقهى على أية حال. أحتفظ المقهى بزبائنه القدامى وفقد مالكيه في حكاية غريبة لا تقل غرابة عن كل ما يدور فيه.

لملكية المقهى قصة طويلة مفادها أن ملاكه الأصليين كانوا عائلة يونانية قاموا بأنشاء أربعة فروع في القاهرة والإسكندرية. تاريخ الإنشاء غير محدد، ولكن بعض الروايات تقول إنه ربما كان العام ١٩٢٨.  عندما بدأت حركة التأميم في الخمسينات، رحل اليونانيين وباعوا المحلات لأحد التجار المصريين. قام التاجر بتفكيك السلسة وبيعها محلا تلو الأخر حتى تبقى هذا الفرع ومعه مخزن في وسط البلد. بعد أن مات التاجر في الثمانينات، قام أولاده بالإهمال في المكان حتى تراكمت عليه الديون. في بداية الألفية، وذات مساء بيع المحل لتجار الملابس وترك المخزن حتى تراكمت عليه المديونيات وحصل عليه مالك العقار بعد ذلك.  أنتهى المقهى بروداه وعماله وماكينة القهوة الكبيرة التي يمتلكها عم سليم في مكان منزوي في الممر الجانبي.

يتناقص رواده عبر السنوات ولا يقبل رواد جدد. أنا أخر من دخل المقهى والأصغر بفارق سنوات كبير. لقد كنت الأخير في المقهى الأخير.