February 8, 2024 Yasser Ahmad 0Comment

الإسبرسو…

هذا الغامض المستتر في عالمه الداكن العميق، هذا العنيد الذي يطرق كل أبواب الخلايا فيوقظها من الثبات. أسود قاتم وقائم بذاته، يعتمر قبعته البنية، ويتطلع نحوك بأناقة وثقة. مهر أسود جامح تمطيه، فيعدو بك نحو الأرض التى تسطع بها خيوط الضوء.

الإسبرسو هو أسطورة العبق وخرافة الرائحة المنتشية فى الأركان، ينطلق من فوهة الماكينة بقطراته الثقيلة، ويطلق سحب الرائحة لتتسيد المكان، تتسرب إلى أنفك كتيار دافئ في ليلة باردة، تناجي ذاكرتك وتعيد ترتيب الأفكار والحكايات.

حكاياتي فى المقهي الصغير كلها دارت حول طاولات الاسبرسو فى الصباح والمساء، مضت وفق طقوس القهوة وتشكلت حسب أمزجتها، مابين عنادها المنتبه وفراستها النرجسية، وأحيانا إسترسالها الرائق على وقع أم كلثوم عندما تصدح من الراديو المعلق في الزاوية كل مساء.

هذا المقهي كان مختلف ولم يكن مثله مكان. أجوب العالم في أثر القهوة، ومفتشا عن ما لم تبوح به بعد. ما أن تطأ قدماي مدينة جديدة، حتى ادور في الطرقات بحثا عن مقهى أخر. أبحث عن القهوة لأنها النافذة التي أستطيع أن أرى من خلالها العالم. تقودني القهوة لأماكن جديدة، أمارس فيها هوايتي بمراقبة البشر وأنا تحت تأثير الكافيين. هذه هي لحظة التي تنتشي فيها حواسي ويصير العالم صديقي. في كل مدينة، أجد مقهى جديد يحتويني، وزاوية أطل منها على البشر والطرقات. أستكين تاركا نفسي لفنجان القهوة والحياة التي تمر على مهل.

في رحلتي للبحث عن مقهى، أعلم جيدا أي نوع من المقاهي سيكون ملاذي. لا أفضل المقاهي الحديثة ولا تلك المقاهي ذات الطراز الصناعي. لا أحب المقاهي المغلقة التي لا تطل على الطرقات، ولا أحب المقاهي الفارهة. أفضل مقاهي المدينة هي أفقرها، مثلها في ذلك مثل الحانات. تحمل المقاهي الحقيقية طابعها المحتوم وتضيق بروادها، ولكنها لا تفرض عليهم واقعا مصنعا. في مدن العالم، أنتقي مقهى صغير على شارع مزدحم، مقهى يبدل رواده كل ساعة ولا يبقي على أحد. لا أستسيغ سوى المقاعد الخشبية، ولا تروق لي القهوة سوى في شكلها الأصلي، الساخن والقاتم.  

زرت أشكال عدة من المقاهي، وأحتسيت فناجين قهوة لا حصر لها، ولكن لم يكن هناك مقهى يشبه مقهي اللإسبريسو القديم في قلب القاهرة. تنقلت كثيرا وبحثت كثيرا، ولكن هذا المقهى لم يكن له توأم شبيه. لم يكن يملك هذا المقهى شيئا فريدا يجتذبك له. لا يقدم أفضل قهوة، ولم يعد يملك أطلالة، ولم يكن ذائع الصيت. كل ما كان يملكه مقهى الإسبريسو هو الحكايات التي صارت ذكريات لا تنسى. لقد كان أول مقهى يقدمني إلى عالم الإسبريسو، ومن يومها لم يفقد أثره الذي تركه في واجتذبني إلى عالمه.

تعلمت شرب الإسبريسو لأول مرة وأنا في الثامنة عشر، ومن يومها وصار طقسي اليومي المفضل. غواية القهوة لها أشكال عدة، ولكن الإسبريسو هو وحده صاحب المقام الرفيع. أسميه الرجل الأنيق، لأنه يفرض طقوسه الخاصة. لا يمكن ترويضه سوى عبر الضغط والبخار قبل أن يستقر في فنجانه الصغير. لا يترك للأهواء، ولا يستقر سوى هلى قدر كثافته. أنه قاتم وغامض، ولا يحتمل التساؤلات، أنه رشفات معدودة مثل لحظات مسروقة من الوقت.

تقول الأسطورة أن من يدخل هذا المقهى لن يخرج منه مثلما كان. حمل هذا المقهى روداه عبر عقود، لم يغادروه إلا عندما غادرهم. تلك هي القاهرة، ترغمك على الخروج منها بعد أن تصيبك بلعناتها.

في مقهى الإسبريسو كانت لي حكايات. سافرت وأرتحلت ثم عدت، وكلما قررت البحث عن مكان أخر، كانت قدماي تعود بي من جديد.

ينفتح باب المقهى، وتدب رائحة القهوة في المكان. تسيل قطرات الإسبربسو وتتصاعد الأحاديث. لم أكن لأحكي عن هذا المقهى وشخوصه في أي وقت مضى. لم أكن أظن أن حكاياتي في هذا المكان ستراودني بعد سنوات طويلة. يمر الوقت على الحكايات حتى يأتي يوما ويصير لها صوت يريد أن يخرج. ينفتح باب المقهى وتخرج الذكريات.