يطالعني الناشر ذو الكرش العظيم والرأس المدور من خلف مكتبه الكبير بنظرة متفحصة. يعدل نضارته وينقر الألة الحاسبة في محاولة لقياس وزني النسبي في معاملات النشر التجارية. لا أجد ما أفعله ثم التطلع نحو المكتب الضخم الذي بد لي مسروقا. هذا المكتب بنقوشه لا يناسب ذوق الكرش القابع خلفه.
بدأ الأسطوانة المعتادة لديهم قائلا
- شرفتنا بحضورك اليوم.. نحو نحتفي بالكتاب الشباب بعكس ما يحدث في الوسط الثقافي حاليا.. نحن هنا في الدار لدينا رسالة ونؤمن بأن لنا دور ثقافي أولا.. نحن لا نسعى للمال فقط مثلما يفعل الأخرون
- بالطبع بالطبع.. واضح جدا
- لقد قام فريق التحرير بمراجعة الرواية ولكن لنا العديد من الملاحظات.. فريق التحرير لدينا من الوزن الثقيل ويجب عليهم التدقيق في كل كلمة وكل سطر.. أنت تتفهم هذا أليس كذلك؟ هيء هيء هيء..
- طبعا طبعا هذا مفهوم
- ولكن قبل هذا لدي بعض الأسئلة اذا سمحت لي.. كما تعرف يجب أن نتعرف على بعضنا البعض
- أكيد
- أسمك
- ماذا عن أسمي؟
- أحمد هذا مكرر وليس مميزا.. أليس لك أسم عائلة مميز؟
- ليس لدي أسم غيره صراحة.. هل يجب أن يكون لي أسم عائلة مميز؟
- هيء هيء.. فتش في جيوبك ربما تجد أسم أخر
- أمم هل يجب أن يكون لي أسم مميز لأنشر؟
- طبعا.. أنه يساعد في الرواج التجاري
- اذا أختر لي أسم.. مثلا ياسر محفوظ أو ياسر الحكيم
- اممم فلنترك هذا الأن.. أخبرني ما هي حالتك على الفيس بوك؟
- كومبليكاتيد
- هيء هيء.. أقصد كم عدد المتابعين لك على صفحاتك؟ هل يزيد عدد متابعينك على تويتر عن العشرين ألف؟ هل أنت معروف على انستجرام؟
- لا أعرف.. هل هذا ضروري؟
- أمم دعني أشرح لك بطريقة أخرى.
يمد يده بكتاب غلافه ملون يحمل عنوان “شبق”. على ظهر الكتاب صورة لفتاة حسناء تبدي مساحة من الكتف لا بأس بها. أنفلت منى اطراء
- كتف جميل!
- لديها أكثر من سبعين ألف متابع على انستجرام.. هذا الكتاب حقق أعلى مبيعات لنا في المعرض
- أه فهمت.. تريد صورة لي على الشاطئ بالمايوه؟
- هيء هيء دمك خفيف.. لا عليك.. مواقع التواصل هذه كلها شكليات.. فلنذهب للمهم.. ما هي قدراتك المادية؟
- وهل لديك عروسة لي؟
مسح صلعته مسحة واحدة وكأنه خرج من الحمام بعد التشطيف. قام من مكانه وأمسك بمسودة رواياتي متفحصا، فخشيت أن يمسح بها باقي أعضاء جسمه. تمهل قليلا ثم قال
- لا يوجد قدرات مالية ولا متابعين ولا حتى أسم مميز.. فلنرى اذا الرواية.. عليك ان تتقبل النقد كما تعرف.. كل كاتب في بداية حياته عليه أن يكون مرنا.. كل الكتاب الكبار يقومون بتعديل روايتهم.. لاشئ يعيب هذا
- طبعا طبعا
- سأكون صريح معك.. كما تعرف فأنا أخرجت الكثير من الروايات والاعمال الأدبية الهامة التي حازت على ارفع الجوائز.. نحن مشغولون جدا جدا.. يأتي الينا أكثر من ألف عمل في الشهر الواحد وعلينا أن ننتقى أفضلها.. النشر مهنة شاقة ولا أحد يقرأ.. أن أصرف من جيبي الخاص ولكن هذه مهنتي….
يتحدث لربع ساعة متواصلة بلا كلل ويصول ويجول وأنا أهز رأسي كالبندول دون أن أفهم شيء. نصل إلى نقطة ما أفهما أخيرا في حديثة
- بعد مراجعة العمل يبدو أن هناك أخطاء كثيرة وقعت فيها.. يجب أن أكون صريحا معك كما تعرف فهذا دوري
- طبعا طبعا
- الأحداث ودوافع الشخصيات غير منطقية
- في أي جزء من الرواية؟
- لا أعرف تحديدا فأنا لم أقرئها.. ولكن فريق التحرير يضم صفوة من الخبراء كما تعرف.. الملاحظات تقول ان البطل كان وحيدا ولكن كيف وهو لديه أصدقاء وعائلة كبيرة.
- أمم ربما لأنه ليس مشهورا على مواقع التواصل؟
- هيء هيء.. لديك روحا من الدعابة
- هذا من حسن ظنك
- أيضا الاحداث تبين ان البطل كان محبط طيلة الوقت
- أمم.. نعم فهو يعيش في مصر والاحداث ليست في سويسرا
- هيء هيء .. دعنى أكون صريح كما أتفقنا.. لا أحد الان يريد أن يقرأ عن أحداث هامة.. القاريء يريد الفكاهة.. هذا ما يبيع.. الأشياء الخفيفة المسلية.. اممم.. الملاحظات تقول أيضا ان البطل ضائع طيلة الوقت
- نعم فهو من مواليد الثمانينات فلابد أن يكون ضائع مثل باقي جيله
- هيء هيء.. صحيح.. ولكن يجب أن تكون هناك حكم ومواعظ.. أضف بعضا من التنمية البشرية وبعض من خلاصة الحياة والمارد المدفون وأشياء من هذا
- خلاصة الحياة؟
- أه.. أو بعض التصوف.. الصوفية موضة وتحقق مبيعات.. كلمتين للرومي وكلمتين لباولو كويلهوا هنا وهناك.
- هل تظن هذا؟
- طبعااا.. هيء هيء.. أسمع يبدو أن ليس لك في الكتابة الساخرة أو رحلة البحث عن الذات.. دعني أفكر في شيء أخر.. اين يسكن البطل؟
- في شقة بمفرده
- تاهت وعثرنا عليها.. رعب.. أنت تبدو لي ككاتب رعب.. هيء هيء.. فأنا لي نظرة لا تخيب
- طبعا أنا مرعب.. القصة تدور حول شخص من جيلي.. وهذا الجيل شهد كل أنواع الرعب
- هيء هيء .. صحيح حتى الكورونا
- ألم أقل لك
- أضف الكورونا اذا للرواية
- أممم.. فكرة جيدة لما لا.. سأجعل البطل مصاب بالكورونا اذا
- لا لا يكفي.. المزيد
- سأجعله مصاب بالكورونا ويخرج في الحظر
- أكثر
- يخرج في الحظر ويعض الناس؟
- أكثر
- يعض الناس ويتحول الى مستذئب
- عظيم
- يتحول ليأجوج ومأجوج
- رائع
- يأكل كل شيء
- هل أنت جائع؟
- نعم
- تفضل يمكنك أن تقضم هذه الرواية
- سأمضغها في الطريق وأرسل إليك رواية الرعب المطلوبة
- برافو.. ستصبح أفضل كاتب شاب
- أنت ملهم
- أنت موهوب
- أنت راعي المواهب
- هيء هيء أشكرك
تنوية: الاحداث والشخصيات الواردة في هذا النص من محض الخيال.. أو من محض الواقع “ما يضرش عادي” – ياسر أحمد
